مجموعة مؤلفين

50

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

الضرب الموقوف على صناعة العدد ، وهكذا الفرد والوتر ما عدّ الأحد ، فإذا عادت الصلاة عليه ، لما لم تجد من تستند إليه ، سلم من هذا المقام تسليما » ( كتاب الأحدية : مجموع الرسائل ، ص 2 ) . على أن ابن عربى الذي يستهل كتابه الألف وهو كتاب الأحدية هذا الاستهلال الممعن في الإلغاز والإغراب ، لا يلبث أن يستطرد بعد ذلك مباشرة استطرادا ليس من شك في أنه يلقى كثيرا من الأضواء التي تبدد كثيرا من الغموض الذي يكتنف هذه الرموز العددية على وجه يجعل منها كلاما لا تكاد أفكار صاحبه وخطراته فيه أن تفهم حقائقهما ، أو تحلل دقائقها ، ويتبين هذا في وضوح وجلاء إذا وقفنا معه عند عباراته التي يوجه فيها الخطاب إلى من أطلق عليهم أسماء الأمناء الأتقياء ، الأبرياء الأخفياء ، فيقول لهم : « سلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته ، اسمعوا وعوا ، ولا تزيغوا فتقطعوا : هذا كتاب الألف وهو كتاب الأحدية ، جاءكم بها الواحد بتثنيتكم يوحدها ، ورسولها الفرد لزوجيتكم يفردها ، تحققوا غايات سبلها واللّه تعالى يمدكم بالتأييد آمين . فإن الأحدية موطن الأحد ، عليها حجاب العزة لا يرفع ، فلا يراه في الأحدية سواه ، لأن الحقائق تأبى ذلك . واعلموا أن الإنسان الذي هو أكمل النسخ ، وأكمل النشآت ، مخلوق على الوحدانية لا على الأحدية ، لأن الأحدية لها الغنى على الإطلاق ، ولا يصح على الإنسان هذا المعنى وهو واحد ؟ فالوحدانية لا تقوى قوة الأحدية ، وكذلك الواحد لا يناهض الأحد ، لأن الأحدية ذاتية للذات الهوية ، والوحدانية اسم لها ، سمتها بها التثنية ، ولهذا جاء الأحد في نسب الرب ، ولم يجئ الواحد ، وجاءت معه أصناف التنزيه ، فقال اليهود لمحمد عليه الصلاة والسلام : أنسب لنا ربك ، فأنزل اللّه تعالى : « قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ » ، فجاءوا بالنسب ، ولم يقولوا صف لنا ، ولا انعت لنا ، ثم إن الأحدية قد انطلقت على كلّ موجود من الإنسان وغيره ، لئلا يطمع فيها الإنسان ، فقال تعالى : « فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً » ، وقد أشرك المشركون معه الملائكة